mercredi, octobre 31, 2007

الاستفتاء الطوائفي

الاستفتاء الطوائفي


تُستنفَرُ المواقف في الانتخابات الرئاسية المقبلة بين فئة تستوي على أكثريّتها وبين فئة تستند الى تناميها العددي المتزايد. والأقليّة الحاضرة، إذ تقترب من تكوين نفسها أكثرية، تهزّ العصا كلّ ما بدا لها أنّ انتخاب رئيس سيقطع عنها الإمداد الحربي، وستُطالّب بتسليم السلاح لدولة قائمة.

والأغلبية، إذ لا تتمكن من وقف النصاب، قد تكتفي في الأيام العشرة الأخيرة بالأكثرية زائد واحداً، وهو تطلّع يضع الأقلية على فوهة بركان، فتغتاظ، وتتوعّد بعظائم الأمور وكبائر السدود.

وفي المدة الأخيرة، اقترحت الأقلية إجراء استفتاء شعبي لمركز رئاسة الجمهورية، معلّلة النفس بتناميها العددي في إحدى طوائفها، لعلّها بذلك تنتقي مسؤولاً يحافظ على سلاحها، ويغضّ النظر عن أفعالها المنفردة على الحدود.

وإذ لم يلحظ الدستور مبدأ الاستفتاءات الشعبية، يردّ البعض: لِيُعَدَّل الدستور في هذا الإتجاه، ونوفّر على أنفسنا تشنجات تدوم، وإرباكات تزيد.

ولو كنا في بلدٍ تنتشر فيه طائفة واحدة لا غير، لما كان هناك من إشكال، ولا أدّى الاستفتاء الى معضلة في النَّفس الدستورية، وفي الواقع الإحساسي للبلاد.

إلاّ أن لبنان متشكّل من طوائف دينية عديدة، لكلّ طائفة تحسّسها التاريخي والنفسي الخاص. فلا يمكن حصر إحدى الطوائف خارج تصوّرها التاريخي للعلاقات والتفاعل ولا خارج توقيتها النفسي لتحرّكٍ ما، وموقفٍ ما، أساسيين.

وفي حالنا هذه، تريد إحدى الطوائف القتال مع دولة خارجية حتى استنفاد مطالب لها تعتبرها أولية. وترفض هذه الطائفة، أو على الأقل القوى السياسية التي تمثّلها، أيّة مفاوضات تجريها الدولة في هذه الغاية.

فإن طرحنا الاستفتاء الكلّي في موضوع الرئاسة، يمكن لهذه الطائفة ولبعض حلفائها من الطوائف الأخرى أن تشكّل أغلبية على أرض الواقع؛ إلاّ أننا نكون بهذه الطريقة قد أخرجنا عدداً من الطوائف من سياقها النفسي التاريخي، ومن إرادتها الأساسية في التفاوض السلمي لبلوغ الأهداف.

ولا يمكن إجبار الطوائف الممانعة لأعمال الحرب الفردية على سلوك هذا الطريق لأننا نكون بذلك نتعدّى على سيادتها النفسية، وعلى إرادتها الأولية في التحرك والتصوّر والاختيار.

فدخول الحرب والاستغناء عن الهدنة القانونية يُدْخِل البلاد الى متاهات عديدة، وخسائر جمّة، ودمار كبير. ولا يحقّ إجبار طائفة أو عدد من الطوائف، أن تضحّي بنفسها، إن كانت لا تريد، وفضّلت المفاوضات السلميّة لبلوغ المأرب.

واذا كان لا بد من استفتاءات شعبية، فَلْتُسْتَفتى الطوائف. وإن وافقت جميعها على اعتماد وجهة الحرب، فليكن، ولتتحمّل الأكثريات الموصوفة لهذه الطوائف ما يمكن أن يصيب الجميع من دمار وتشريد وخسائر.

فالموافقة على الحرب، ولكونها مدخل الى الدمار والخراب، عليها أن تُبنَى بثلاثة أرباع كلّ طائفة(1) أو مذهب، على الأقل. ولا يمكن أن نخرج الى الحرب بأكثرية مطلقة من كل طائفة، وليس أكثر. فإذا جُمِعَت الأكثريات الموصوفة من كل الطوائف، ترضخ إذ ذاك أقليات الربع على مضض، وتتحمّل، متحفّظة، الويل والدمار. أما أقل من ذلك، فلن تُساق الأكثريات الرافضة للحرب، والمستاءة منها، الى مغامرات جرّت علينا النكبات الدائمة بسبب تفرّد البعض الى الجُنوح الى انزلاقات غير مضمونة النتائج، تؤدّي بالبلاد الى خراب مستطير، ودمار مستفحل.

إننا في قلب الديموقراطية ولسنا على شَفاها، ومطالبتنا برأي الطوائف حقّ ناتج عن تشكّلها القومي والنفسي، وما تمثّل من جمع تاريخي، ومن إرادة فعلية تطالب بحقها في التقرير في الأمور الأولية والأساسية. وعقد الطوائف(2) ظهر أساساً لا مناص من تلبيته. والنظرية التقليدية تتهافت يوماً بعد يوم. وفي الغرب أصبح التساؤل كبيراً، وفي الشرق فرح لأن الأفكار المتأثرة بـ العمومية الاجتماعية تتشقلب كلّ يوم.

إن الأساس في الإحساس القومي يأتي من المندَرَج الديني في سياقه التاريخي الاجتماعي. لذا، عند إرادة معرفة القرار الفعلي للجماعات الوطنية، يجب العودة الى إرادة المجموعات الطوائفية. قد لا يعجب هذا الأمر الدارسون على نهج نظريات العقد الاجتماعي البحت، إلاّ أن الواقع السياسي المتحرك قد خذلهم، وهو يخذلهم كل يوم أكثر من يوم، إذ ظهر أنّ التحتية النفسية تستند الى مَوْشور الطوائف.

وللعودة الى موضوع الانتخابات، نقول: إن تصميم الأغلبية على الانتخاب في نهاية الأمر بالأكثرية زائد واحداً يعود الى رفضها، بما تمثّل من طوائف، رئيساً توافقياً يتابع مداهنة الأقلية؛ فلا تُعيد سلاحها، ويمكث الشعب يَدَه على قلبه من نتائج تفرّد الجماعات المسلحة في مواجهة الدولة العبرانية.

لا شيء في الديمقراطية يقول بإجبار متّحدات نفسية على الدخول في حروب رغماً عنها بسبب انزلاقات غيرها من الطوائف.

فـ الطوائف المعتدلة في لبنان لا تريد الحرب، ولا يمكن إجبارها على ذلك من فئات تعتبر نفسها مجاهدة، وترفض الانصياع الى اتفاق الهدنة؛ وتتّكِل على تناميها العددي لأخذ القرار العام في البلد.

إنّ لكل طائفة حصانتها ورأيها وحقّها الخاص الذي لا يمكن أن يُغمَط. فإن أرادت إحدى الطوائف سلوك طريق الحرب، فما عليها إلاّ إقناع ثلاثة أرباع كلّ الطوائف بذلك، وإلاّ أصبحنا خارج مفهوم الديموقراطية بمعنى الوقوف على رأي التجمّعات النفسية التاريخية. ولدخلنا عندئذٍ في عدالة ظاهرية تأخذ بعين الاعتبار العدد الوطني؛ إنما نَفقد عدالة المجموعات بين بعضها البعض؛ ونسمح لمجموعة أو أكثر، بالتعرّض لحقٍّ عام يُبنى على معارف جديدة في الحق السياسي، تتوافق وأحاسيس جماعيّة، مُنِعَت من التعبير عن نفسها بسبب أخطاء تحليلية تُواكبنا منذ أكثر من مئتي عام.

سامي فارس في 11/10/2007

------------------------

(1) نعني بالطائفة المجموعة المذهبيّة.

(2) كل طائفة تسير بوعي، أو بنصف وعي، أو بلا وعي في منهج تاريخي ونفسي متفاعل مع الظروف، ومتكدّس مع الأيام.

lundi, octobre 15, 2007

التحرّك الاعتباطي والتحرّك القانوني



التحرّك الاعتباطي والتحرّك القانوني

تحتدم الاجتهادات يومياً بين فريق يشترط ثلثي النواب لانتخاب رئيس للجمهورية وبين فريق يَقُرّ بالثلثين في الاجتماع الأول؛ أما في ما بعد، فالانتخاب يكون بالنصف زائد واحد.
ومن خارج الاجتهاد على المفهوم الدستوري، علينا إمعان النظر بالوضع السياسي القومي، نستخرج منه علامات تساعد على الرؤية الحسنة الموافقة للحوادث الجلّى والمتغيّرات الأساسية.
فعند وضع الدستور في العام 1926، لم تكن الإشكالات الحالية في ذهن معدّيه، إنما نُظر الى أوضاع عادية تتكشّف طبيعياً في المسارات.
فالفكرة الأولى أن النواب سيحضرون بصورة طبيعية جلسة الانتخاب، وان المعركة الانتخابية ستُحضَّر بين ممثلي الشعب قبل موعد الجلسة. وأن النتيجة ستكون شبه محسومة في الأيام الأخيرة قبل الانتخاب.
اختلف الواقع كلياً اليوم لأن الصراع الحقيقي هو على حق مجموعات حزبية في اقتناء السلاح واستعماله ضد دولة خارجية، مما يؤدي الى نتائج ضخمة على البلاد.
ويتمسّك الفريق المسلّح بحق اقتناء السلاح وفق أساسين:
الأساس الأول: أن هناك مواجهة مع الدولة العبرية. ويريد الفريق المسلّح أن يلعب دوراً في هذه المواجهة. والردّ البديهي هو أن الدولة وحدها تقتني السلاح، وهي وحدها تقرّر كيفية التحرك في هذا الموضوع.
الأساس الثاني لأصحاب فكرة حمل السلاح هو أن البيان الوزاري أكّد دعم المسلحين. والجواب هو أن الدعم المبدئي لا يخوّل أي جماعة حقّ الخروج عن رأي الحكومة وإرادتها في التصرّف العملي والتطبيقي تجاه الدولة العبرية.
وقد أصبحنا الآن ضمن رأيين: رأي يريد أن تتابع القوى المسلحة الخاصة برامجها على كل الأصعدة، ورأي آخر يقول بالتزام الدولة وحدها بكل المضامين في موضوع التسلّح واستعمال السلاح وفق الظروف.
وبناء عليه، نَعْتبر أن لا حقّ ولا سند قانوني لجماعات خاصة مسلّحة أن تقتني السلاح وتستعمله متى ارتأت وبان لها الأمر مفيداً.
أما الدفعين لتعطي هذه الجماعات نفسها الحق في متابعة التسلّح والبقاء ضمن إمكانية إطلاق النار، فهما: أولاً: أنها تريد استرجاع اللبنانيين الموجودين في سجون الدولة العبرانية. ونقول إنها مهمّة الدولة وحدها عبر مفاوضات مثلّثة أو ثنائية، تقررها وفق المقتضى، ولا حقّ لأي قوة خاصة أن تتفرد على طريقتها وأسلوبها لاسترجاع المسجونين في الدولة العبرية.
أما الدفع الثاني لإبقاء السلاح مشرّعاً، فهو القول باسترجاع مزارع شبعا، وهي مهمة غير مخصصة لأفراد مسلحين يخططون ما يرتأون في هذا السبيل.
فالدولة تقوم بهذا العمل عبر مفاوضات واتفاقات، وفق اجتهادها الشخصي. ويمكن التعليق على طريقتها أو اقتراح السبل الآيلة لتحقيق المهمة. أما التحرّك العملي في هذا السبيل، فهو خارج مضمون حق التصوّر النظري ومناقشة مشاريع إعادة مزارع شبعا.
فالبديهيات أصبحت تثير التعجب، وكأن مجموعات رديفة يحق لها التصرّف وفق مبتغاها في أمور تخصّ الدولة دون غيرها. والأكثرية تحاول بصعوبة إفهام المعارضة حقوق السلطة في هذه الأمور الأوّلية التي هي من مسؤوليتها وحدها. والعجب العجيب أن بعض الفئات السياسية تتأفف وتستنكر إرادة الدولة في التمسك بكامل حقوقها وسلطتها في مواضيع التصوّر والتحرّك والتنفيذ العملاني في القضايا الأساسية، ومنها الموقف تجاه قضية مزارع شبعا وتجاه قضية الموجودين في سجون الدولة العبرية.
ونسأل، استناداً الى أي حق تسمح هذه المجموعات المسلّحة لنفسها بالتحرك عملياً في هذين الموضوعين ؟ ومن النافل القول، إن الدعم المبدئي في البيان الوزاري يُتَرجَم وفق المقتضى، وعملياً بإرادة الحكومة بعد درسها المعطيات العامة، وليس بإرادة فرقاء مسلّحين اعتبروا أنهم قيّدوا الحكومة بجملة مبدئية وردت في البيان.
لذا نقول، إن المواجهة الحالية في الانتخابات الرئاسية هي بين خط يريد المحافظة على حقوق الدولة في المسؤولية الفردية في دراسة المواقف من الخارج، وتطبيق هذه المواقف وفق ما تقتضيه الحاجة؛ وبين خطّ يَعتبر أن مجموعات خاصة يحق لها التصرف عملياً بما يؤدي الى نزاعات مسلّحة مع الخارج، وتحميل اللبنانيين نتائج هذه المواقف المنطلقة من مجموعات، تتحرك وفق ما ترتأيه، وتفرض نتائج إرادتها على الجميع.
وللعودة الى فكرة المشرّع المطالب بالثلثين لانعقاد جلسة رئيس الجمهورية، نقول إنه لم يكن في وارد التصوّر أن مجموعات مهمة من الشعب ومن ممثليه كان يمكن أن تقنع نفسها، أن بعض الأفراد، وإن تعددوا، يحقّ لهم، متى أرادوا، أن ينسفوا بتصرفاتهم الشخصية وضعيات سياسية متكاملة، وأن يعيدوا البلاد اقتصادياً الى الوراء بصورة مذهلة، وأن يعتبروا أنفسهم وكلاء الإرادة الوطنية؛ فيتحرّكون على الأرض على طريقتهم، دون مراجعة القوى الشرعية القانونية التي لها وحدها الحق في التصرّف، بناء لوكالتها القانونية عن الناس.
سامي فارس
في 15/9/2007

تعليق: إن استعمال عبارة مجموعات حزبية، أو الفريق المسلح، أو أصحاب فكرة حمل السلاح، أو القوى المسلحة الخاصة، أو جماعات خاصة مسلّحة، أو قوة خاصة، أو أفراد مسلحون، أو مجموعات رديفة، أو مجموعات مسلّحة، بدون ذكر تسمية معيّنة، يهدف الى التخفيف من الإثارة السياسية في حال تناولِ أحد الأحزاب، أو إحدى المجموعات بالإسم، مما قد يؤدي الى تشنّجات سياسية تؤثر على الساحة الاجتماعية والوطنية.
فإن كان بالإمكان استعمال التورية مع فهم القصد بسهولة؛ خفّت الحدة، وناست الاحتقانات.

في 23/9/2007